ابن خلكان
35
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان
[ ولما أسرف « 1 » الحجاج في قتل أسارى دير الجماجم وإعطاء الأموال ، بلغ ذلك عبد الملك فكتب إليه : أما بعد ، فقد بلغ أمير المؤمنين سرفك في الدماء وتبذير الأموال ولا يحتمل أمير المؤمنين هاتين لأحد من الناس ، وقد حكم عليك في الدماء في الخطأ بالدية وفي العمد بالقود وفي الأموال بردّها إلى موضعها ثم العمل فيها برأيه ، وإنما أمير المؤمنين أمين اللّه وسيان عنده منع حق وإعطاء باطل ، فإن كنت أردت الناس لك فما أغناهم عنك وإن كنت أردتهم لنفسك فما أغناك عنهم ، وسيأتيك من أمير المؤمنين لين وشدة ، فلا يؤنسنك إلا الطاعة ولا يوحشنك إلا المعصية ، وظن بأمير المؤمنين كل شيء إلا احتمالك على الخطأ ، وإذا أعطاك اللّه الظفر بقوم فلا تقتلن جانحا ولا أسيرا ؛ وكتب في أسفل كتابه : إذا أنت لم تترك أمورا كرهتها * طلبت رضاي بالذي أنت طالبه وتخشى الذي يخشاه مثلك هاربا * إليّ فها قد ضيع الدّرّ حالبه وإن تر مني غفلة قرشية * فيا ربما قد غصّ بالماء شاربه وإن تر مني وثبة أموية * فهذا وهذا كله أنا صاحبه فلا تأمنني والحوادث جمة * فإنك مجزى بالذي أنت كاسبه ولا تعد ما يأتيك مني وإن تعد * يقوم بها يوم عليك نوادبه ولا ترفعن للناس حقا علمته * ولا تغضبن ، فاللين للناس جانبه فأجابه الحجاج : أما بعد ، فقد أتاني كتاب أمير المؤمنين يذكر فيه سرفي في الدماء وتبذيري للأموال ، ولعمري ما بلغت في عقوبة أهل المعصية ما هم أهله وما قضيت في أهل الطاعة ما استحقوه ، فإن كان قتلي أولئك العصاة سرفا وإعطائي أولئك المطيعين تبذيرا فليسوغني أمير المؤمنين ما سلف وليحدّ لي حدّا أنتهي إليه إن شاء اللّه تعالى ، ولا قوة إلا باللّه ، وواللّه ما سلبت نعمة إلا بكفرها ولا تمت إلا بشكرها ، ولا أصبت القوم خطأ فأديهم ولا ظلمتهم فأقاد بهم ، ولا أعطيت إلا لك ولا قتلت إلا فيك ، وأما ما أتاني من أمريك فأبينهما عزة أعظمهما محنة ،
--> ( 1 ) قارن بما في تهذيب ابن عساكر 4 : 67 ؛ وهذه القطعة واردة في د ص ر مع بعض اختلاف بينها .